ابو جعفر محمد جواد الخراساني

94

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

عجزت حواسّي عن ادراك اللّه تعالى صدقت به ، قال : وكيف ذلك ؟ قلت : لأنّ كلّ شيء جرى فيه اثر تركيب لجسم ، أو وقع عليه بصر للون ، فما أدركته الأبصار ونالته الحواسّ ، فهو غير اللّه سبحانه ، لأنّه لا يشبه الخلق ولا يشبهه الخلق ، وإنّ هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال وكلّ شيء أشبه التغيير والزوال فهو مثله ؛ وليس المخلوق كالخالق ولا المحدّث كالمحدث . قال : إنّ هذا لقول ، ولكنّي منكر ما لم تدركه حواسّي فتؤدّيه إلى قلبي ! « 1 » فلمّا اخذ اللجاج ، أخذ عليه السلام في الاحتجاج عليه بما يلزمه على الإقرار ، بأنّه قد يعلم الشيء الغائب عن حواسّه ويصدقه وهو لم يحسّه ، فاصرّ على الإنكار ولم يعط من نفسه الإقرار ، وهو طويل نذكر ملخّصه ، فبلغ من لجاجه أنّه ( ع ) قال له : « هل تشهد بأنّ هذه الإهليلجة مشتملة على نواة وأنت لم تحسّها ؟ قال : لا ، لعلّه لم يكن شيء ! قال ( ع ) : هل تشهد بأنّ تحت القشر لحم ؟ قال : لا ، لعلّه لم يكن لحم ! قال ( ع ) : هل تشهد بأنّ أمثال هذه الإهليلجة موجودة في البلدان ؟ قال : لا ، لعلّه لم يكن غيرها شيء ! قال ( ع ) : فهل تشهد أنّ لهذه الإهليلجة شجرة ؟ » فاضطرّ بالاعتراف بعد الاعتساف . » « 2 » وقد ذكرت في طريق الأفحام قوله ( ع ) له : « هل أحطت بالجهات كلّها » . وقد قال ( ع ) أيضا في جملة ما احتجّ عليه : « أمّا إذ أبيت إلّا الجهالة وزعمت أنّ الأشياء لا يدرك الّا بالحواسّ ، فإنّي أخبرك أنّه ليس للحواسّ دلالة على الأشياء ولا فيها معرفة إلّا بالقلب ، فإنّه دليلها ومعرّفها الأشياء الّتي تدّعي أنّ القلب لا يعرفها إلّا بها . » « 3 » ثمّ استدلّ ( ع ) له تارة بهداية القلب وارشاده بعد ذهاب الحواسّ ، وأخرى بارشاده قبل إرائة الحواسّ ؛ كطلب المولود اللّبن ، والبكاء إذا جاع ، والضحك إذا شبع ،

--> ( 1 ) . البحار 3 : 153 / 1 . ( 2 ) . المصدر 3 : 156 / 1 . ( 3 ) . المصدر 3 : 159 / 1 .